الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
125
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 58 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 58 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) عرف المنافقون بالشحّ كما قال اللّه تعالى : أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ [ الأحزاب : 19 ] - وقال - أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ [ الأحزاب : 19 ] ومن شحّهم أنّهم يودّون أنّ الصدقات توزع عليهم فإذا رأوها توزّع على غيرهم طعنوا في إعطائها بمطاعن يلقونها في أحاديثهم ، ويظهرون أنّهم يغارون على مستحقّيها ، ويشمئزّون من صرفها في غير أهلها ، وإنّما يرومون بذلك أن تقصر عليهم . روي أنّ أبا الجوّاظ ، من المنافقين ، طعن في أن أعطى النبي صلى اللّه عليه وسلم من أموال الصدقات بعض ضعفاء الأعراب رعاء الغنم ، إعانة لهم ، وتأليفا لقلوبهم ، فقال : ما هذا بالعدل أن يضع صدقاتكم في رعاء الغنم ، وقد أمر أن يقسمها في الفقراء والمساكين ، وقد روي أنّه شافه بذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم . وعن أبي سعيد الخدري : أنّها نزلت في ذي الخويصرة التميمي الذي قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : اعدل ، وكان ذلك في قسمة ذهب جاء من اليمن سنة تسع ، فلعل السبب تكرّر ، وقد كان ذو الخويصرة من المنافقين من الأعراب . واللّمز القدح والتعييب ، مضارعه من باب يضرب ، وبه قرأ الجمهور ، ومن باب ينصر ، وبه قرأ يعقوب وحده . وأدخلت فِي على الصَّدَقاتِ ، وإنّما اللمز في توزيعها لا في ذواتها : لأنّ الاستعمال يدلّ على المراد ، فهذا من إسناد الحكم إلى الأعيان والمراد أحوالها . ثم إنّ قوله : فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا يحتمل : أنّ المراد ظاهر الضمير أن يعود على المذكور ، أي إن أعطي اللامزون ، أي إنّ الطاعنين يطمعون أن يأخذوا من أموال الصدقات بوجه هدية وإعانة ، فيكون ذلك من بلوغهم الغاية في الحرص والطمع ، ويحتمل أنّ الضمير راجع إلى ما رجع إليه ضمير مِنْهُمْ أي : فإن أعطي المنافقون رضي اللّامزون ، وإن أعطي غيرهم سخطوا ، فالمعنى أنّهم يرومون أن لا تقسم الصدقات إلّا على فقرائهم ولذلك كره أبو الجواظ أن يعطى الأعراب من الصدقات . ولم يذكر متعلّق رَضُوا ، لأنّ المراد صاروا راضين ، أي عنك .